أحمد مصطفى المراغي

58

تفسير المراغي

( فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً ) أي فلما تجلى ربه للجبل أقل التجلي وأدناه انهد وهبط وصار كالأرض المدكوكة أو الناقة الدكاء ، وسقط موسى على وجهه مغشيا عليه كمن أخذته الصاعقة ، والتجلي إنما كان للجبل دونه فما بالك لو كان له . روى أنه ساخ : أي غاص في الأرض : أي أنه رجّ بالتجلي رجا ، بست به حجارته بسا ، وساخ في الأرض كله أو بعضه في أثناء ذلك حين صار ربوة دكاء وكان كالرمل المتلبد . ( فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ ) أي فلما أفاق من غشيه قال سبحانك : أي تنزيها لك وتقديسا عما لا ينبغي في شأنك مما سألت . وأكثر المفسرين يجعلون وجه التنزيه والتوبة أنه سأل الرؤية بغير إذن من اللّه تعالى فتاب ورجع عما طلب . قال مجاهد : « تُبْتُ إِلَيْكَ » أن أسألك الرؤية : « وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ » أي من بني إسرائيل ، وفي رواية عن ابن عباس : وأنا أول المؤمنين أنه لا يراك أحد . والخلاصة - إن موسى لما نال فضيلة التكليم بلا واسطة فسمع من عالم الغيب ما لم يسمع من قبل تاقت نفسه أن يمنحه الرب شرف رؤيته فطلب ذلك منه وهو يعلم أنه ليس كمثله شئ لا في ذاته ولا في صفاته التي منها كلامه ، ولكن اللّه تبارك وتعالى قال له : « لَنْ تَرانِي » ولكي يخفف عليه ألم الرد أراه بعينه من تجليه للجبل ما فهم منه أن المانع من جهته لا من جانب الفيض الإلهى ، حينئذ نزه اللّه وسبحه وتاب إليه من هذا الطلب ، فبشره بأنه اصطفاه على الناس برسالته وبكلامه وأمره أن يأخذ ما أعطاه ويكون من الشاكرين له كما قال : ( قالَ يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي ) أي اصطفيتك بتكليمى لك بلا توسط ملك وإن كان من وراء حجاب ، وقد طلب موسى رفع هذا الحجاب لتحصل له الرؤيا مع الكلام .